الآلوسي
44
تفسير الآلوسي
وهل هي حقيقة في واحد منها مجاز في غيره ، أو حقيقة فيها جميعاً ؟ رجح بعضهم الثاني ، ولذا ذهب إلى كل منها بعض السلف ، فأخرج ابن جرير عن الزهري أن التيمم إلى الآباط ، وأخرج عن مكحول أنه قال : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع ، وأخرج الحاكم عن ابن عمر في كيفية تيممهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن ، ومن حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه - وهذا مذهبنا - ومذهب الشافعي والجمهور - ويشهد لهم القياس - على الوضوء الذي هو أصله ؛ وإن كان الحدث والجنابة فيه كيفية سواء ، وكذا جوازاً على الصحيح المروي عن المعظم . ومن الناس من قال : لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء - وهو المروي عن عمر . وابنه وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم - قيل : ومنشأ الخلاف فيما بينهم حمل الملامسة فيما سبق على الوقاع أو المس باليد . فذهب الأولون إلى الأول والآخرون إلى الأخير ، وقالوا : القياس أن لا يكون التيمم طهوراً وإنما أباحه الله تعالى للمحدث فلا يباح للجنب لأنه ليس معقول المعنى حتى يصح القياس ، وليست الجنابة في معنى الحدث لتلحق به بل هي فوقه . وأنت تعلم أن الآية كالصريح في جواز تيمم الجنب وإن لم تحمل الملامسة على الوقاع - كما يشير إليه تفسيرها السابق - على أن الأحاديث ناطقة بذلك ، فقد أخرج البخاري عن عمران بن حصين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلي ؟ فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك " وروي " أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا قوم نسكن هذه الرمال ولم نجد الماء شهراً أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء فقال صلى الله عليه وسلم : عليكم بأرضكم " إلى غير ذلك ، وهل يرفع التيمم الحدث أم لا ؟ خلاف ، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين عند من أمعن النظر * ( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُوراً ) * تعليل لما يفهمه الكلام من الترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن مَنْ عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسراً لا معسراً ، وجوز أن يكون كناية عن ذلك فإنه من روادف العفو وتوابع الغفران ، وأدمج فيه أن الأصل الطهارة الكاملة وأن غيرها من الرخص من العفو والغفران ، وقيل : العفو هنا بمعنى " التيسير " - كما في التيسير - واستدل على وروده بهذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : " عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق " وذكر المغفرة للدلالة على أنه غفر ذنب المصلين سكارى ، وما صدر عنهم في القراءة ، وأنت تعلم أن حمل العفو على التيسير في الحديث غير متعين وكون ذكر المغفرة لما ذكر بعيد . . * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابيَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) * . * ( أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذينَ أُوتُواْ نَصيباً مِّنَ الْكتاب ) * استئناف لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم إثر ذكر أنواع التكاليف والأحكام الشرعية ، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين ؛ وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم ، وقيل : لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ، وخطاب سيد القوم في مقام خطابهم والرؤية بصرية ، وتعديها بإلى حملاً لها على النظر - أي ألم تنظر إليهم - وجعلها علمية وتعديها بإلى لتضمينها معنى الانتهاء - أي ألم ينته علمك إليهم - منحط في مقام التعجيب وتشهير شنائعهم ، ونظمها في سلك الأمور المشاهدة ، والمراد من الموصول يهود المدينة . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه ، وعنه أنها